حول العلمانية ...مرة اخرى بقلم د . فاروق رضاعة

اذهب الى الأسفل

حول العلمانية ...مرة اخرى بقلم د . فاروق رضاعة

مُساهمة  noeeleesa في الأربعاء سبتمبر 23, 2009 12:52 pm

حول العلمانية ..مرة اخرى
بقلم: د . فاروق رضاعة

يثير مصطلح العلمانية وتطبيقاته على ألواقع أهتمام خاصا تشير ألى ذلك الندوات والأبحاث والمقالات العديدة التي تنشر حول الموضوع.
في البداية لابد من ألاشارة ألى أن ترجمة كلمة Secularمن اللاتينية أو الفرنسية الى اللغة العربية ب العلمانية ترجمة غير موفقة أذ أن Secularكلمة زمانية و تترجمها القواميس (في عالمنا هذا) وبهذا تكون زمانية وليست مكانية كما يشير اليه أصطلاح العلمانية بفتح العين _ العالم- ، وكان من الأفضل أستعمال كلمة عصرية وهو وصف زماني وليس مكاني مثل كلمة العالم ,بعض الكتاب أستعمل وأنا واحد منهم ولفترة أصطلاح الدولة المدنية ، سوف أضطر لأستعمال مصطلح العلمانية نتيجة سعة أستعماله وكونه المصطلح الدارج في الكتابات السياسية العربية .
للوصول ألى رؤية واضحة لا بد من العودة ألى أصول ظهور هذا المصطلح وأستعمالاته تاريخيا والفلاسفة الذين طوروا هذا المفهوم بحيث يمكن الأستفادة منه في العلوم السياسية والفلسفية ومنها طبيعة أنظمة الحكم و أسس بناء الدول .
تاريخيا كان الرهبان يسكنون ألأديرة التابعة للكنيسة حيث توفر السكن والأكل مجانا لهؤلاء الرهبان ضمن المؤسسة الدينية،ولكن نتيجة لعوامل عدة منها ظهور حركات أصلاحية أبدت شيئا من التمرد على المؤسسة الدينية، ترك البعض من هؤلاء الرهبان سكناهم في الأديرة و سكنوا مع عامة الناس، وأطلق عليهم Secular بما يعني سكنوا مع عامة الناس ، من عالمنا هذا وليس من عالم الدير.
بحث الفلاسفة على مر العصور موضوعة الحاكم والمحكوم ، ومن أين يستمد الحاكم حقه في الحكم ،و طبيعة الحكم ومدى عكسه لما يتوقى الأنسان من هذه الحياة . موضوعة الحاكم والمحكوم ظهرت مع ظهور المجتمعات البشرية ، بحثت في القدم، وجر بحثها الى معارك كلامية و مسلحة وما زلنا نبحثها اليوم . هناك العديد من النظريات الفلسفية والدينية التي تبحث هذه الأمور وما ترك التاريخ لنا كان واضحا جدا في مسلة حمورابي التي تحتوي على أكثر من مادة قانونية تسلمها الملك حمورابي من ألاله مردوخ وبهذا أصبحت أحكامها ألاهية لا تقبل الجدل و على الملك ومن يأتي بعده تنفيذها. هذه الأحكام الموجودة في مسلة حمورابي هي نفسها أقتبست الكثير من القوانين التي قال بها أهل سومر وأكد قبل ذلك وتجد البعض من قوانيها في العبريات .
وعلى مر العصور بقيت موضوع العلاقة بين ألله والحاكم والشعب موضوع نقاش وأبحاث ، حدثت خلالها ثورات عديدة وحروب ساهمت بها المؤسسة الدينية سواء أيام الفراعنة ، وبابل ومن ثم الدول الأغريقية والبيزنطية و الرومانية وبعدها ومعها الكنيسة المسيحية وعلى رأسها بابا روما والذي كان من جملة ما فرض من حقوق تجريد الملوك من تيجانهم ، وبدأت معارك بين بابا روما والملوك المؤيديين له والملوك الرافضين لساطاته الدنيوية رافق ذلك ظهور أفكار جديدة ، أفرزتها الحياة وتطور المجتمع ألأنساني، تدعو الى منع المؤسسة الدينية من التدخل في
أمور الحكم ، وظهرت عدة مراكز للقوى دينية و فقهائها ، ودنيوية و فلاسفتها أو كلاهما كما هو الحال في أنكلترة وهذه المراكز أظهرت أتجاهات ومواقف عدة ، وهذه المواقف بدورها انقسمت بأتجاهين رئيسين احدهما أعتبرت
حكم الملك مطلق ومخول من السماء وله سلطة الله على الأرض و على المؤسسة الدينية و الدنيوية أتباع أوامره، والأخرى تقول أن ليس للملك سلطة ألاهية والناس أحرار في أختيار حكامهم ووضع القوانين التي تنظم حياتهم .مرت مئات السنوات على هذا الصراع والجدل الفقهي الفلسفي وتطورت أراء عدة في هذا المجال .
كان أول من أوائل الذين قاموا بنقلة نوعية فكرية هامة في هذا الموضوع الفيلسوف الأنكليزي لوك ( 1632-1701)عندما قام بنشر أطروحاته الفلسفية بشأن نظريات الحكم ،مستفيدا من أفكار أخرين سبقوه داعيا ألى Secular State
دولة عصرية (علمانية )لا تتدخل المؤسسة الدينية في شؤون أدارة الدولة وسن قوانينها وتشريعاتها .
و دعى الى فصل السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية ، وأن هذه السلطة التشريعية يجب أن تكون منتخبة من الشعب ويجري تغيرها بين فترة وأخرى – ألأنتخابات- ، بالنسبة للفيلسوف لوك كان الشعب من الرجال فقط ومن دافعي
الضرائب ,وتفسير ذلك منطقيا ، أذا كنت دافعا للضرائب فمن حقك أن تكون لك كلمة في كيفية صرف تلك الضرائب ولما كان العاطلين عن العمل لا يدفعون الضرائب ، ليس من حقهم أعطاء وجهة نظرهم في كيفية توزيع الضرائب وأوجه صرفها ، ولما كانت معظم النساء لا يعملن ومن تعمل لا تدفع ضريبة فلا يحق لها التصويت ,و أبداء الرأي في كيفية صرف ميزانية الدولة والتي هي حصيلة الضرائب. أضطر لوك بعد نشرأطروحاته حول فصل السلطات والدعوة لعدم تدخل المؤسسة الدينية في شؤون الدولة الهرب خارج بريطانيا خوفا من أضطهاد الملك له نتيجة كتاباته ، خاصة كان الملك البريطاني هنري الثامن كان رئيسا للكنيسة البريطانية والتي أنشقت عن روما .
حدثت الثورة الأنكليزية عام 1688وأنتصرت ، كان لوك في منفاه ومع أنتصارها أخذ قادتها بنظريته في شكل الدولة، والانتخابات وعدم تدخل المؤسسة الدينية في شؤون الحكم ، وفصل السلطات ألتشريعية والتنفيذية و أسس للديمقراطية التي تطورت تدريجيا ألى أن وصلت الى ما عليه ألان .
وبعد الثورة الفرنسية وضع الدستور الفرنسي 1871و على نفس المفاهيم التي دعى لها لوك .
في عام 1791 أصبحت الولايات المتحدة ألأمريكية أول دولة تعلن في دستورها أنها دولة علمانية، وأضافت في دستورها مفهوم أخر لفصل السلطات ، اضافة للفصل بين السلطة التنفيذية والتشريعية أضافت فصل السلطة القضائية وتشكيل المحكمة العليا الفدرالية وسلطتها القضائية أعلى من أي سلطة أخرى .
بعد الولايات المتحدة الأميركية بدأت تتوالى الدول التي تعلن عن (علمانيتها ) من خلال الدساتير التي تبنتها شعوب هذه الدول في مختلف أصقاع الأرض ، سواء كانت الدول الأوربية أو اليابان بعد الحرب العالمية الثانية أو الهند أو بنغلاديش وفي دول أميركا الجنوبية .
هل يمكن فصل الدين عن السياسة ؟
العديد من الكتاب والقسم منهم له مواقع مرموقة في الكتابة السياسية أو البعض من السياسين(العلمانيين ) يقولون بفصل الدين عن السياسة ، وأعتقد أن هذه الأطروحات سببها عدم الوضوح في الفرق بين ( علمانية ) الدولة و( علمانية )المجتمع .
في (علمانية ) الدولة التي دعى لها لوك و من طور هذه النظرية من بعده كانت الدعوة ألى (علمانية) الدولة الديمقراطية وفي مثل هذه الدولة ، كما في الولايات المتحدة الأميركية ،مثلا يظهر في الواقع العملي أنه لا يمكن فصل الدين عن السياسة ،مثال على ذلك ، رجل الكونجرس ألأميركي المنتخب من قبل الناس في ولايته مسيحي كاثوليكي متشدد يلتزم مواقفه وفق عقيدته ومذهبه ، وعند التصويت في الكونجرس على موضوع الأجهاض يصوت ضد أي نوع من ألأجهاض ولأي سبب ، هذا هو موقف سياسي أرتبط بعقيدته الدينية وأتخذ موقفه أثناء التصويت على هذا الأساس.هناك أمثلة عديدة لا أريد أن أزحم المقال بها .
في الدولة العصرية ( العلمانية ) الديمقراطية تحترم أرادة الفرد وحقه في أتخاذ المواقف الفكرية والسياسة وفقا لقناعته ومن جملة هذه القناعات ألألتزام الديني الشخصي وأتخاذ المواقف على هذا الأساس، سواء كان عضوا في مجلس النواب أو أية هيئة منتخب عنها، ومعرفة الناس له و بمواقفه وقناعاته، حيث تلعب حرية الفرد دور أساسي و هذا ما يفرقها عن مفهوم المجتمع (العلماني).
من الممكن أن تكون هناك دول (علمانية )دكتاتورية تتعامل بشكل يختلف كليا عن الدولة الديمقراطية العصرية (العلمانية )،الشكل ألأساسي في الأختلاف هو فرض ( العلمانية )على كل المجتمع وليس على الدولة ومؤسساتها ،حيث يتم تحجيم دور علماء الدين ومنعهم من القيام بواجاتهم في نصح الناس وأرشادهم وألاهتمام بالأمور الروحية لهم خاصة أنهم أتخذوا موقفا معاديا للسلطة ، ويقسر الناس على أمور تفرض عليهم من قبل النخب المتسلطة الدكتاتورية الحاكمة .

و أن مثل هذه المجتمعات لا تعيش في ظل دولة ديمقراطية بل دولة شمولية تحرم ألأنسان من حريته الفردية وتفكيره الحر، وبالتالي سلوكه الأجتماعي
وتفرض عليه أن يعيش ضمن النظام (العلماني) الشمولي ، في مثل هذه المجتمعات يجري فصل الدين عن السياسة قسرا ، أو أذابة القوميات ألأقل عددا في القومية الكبيرة أو حتى نفي وجود التعدد القومي أو الديني أو المذهبي في تلك الدولة .
أمثلة على ذلك متعددة منها ما كان في الدول الشيوعية ، السابقة والحالية وكذلك في تركيا أتاتورك (العلمانية)الدكتاتورية .
في الأنظمة الشمولية حيث تعتبر حرية الأنسان قضية ثانوية وتسحق حقوق الأنسان وحريته بما فيها حرية العبادة يبقى ألأنسان تواق لحقه وقد تأخذ الأنظمة الشمولية أعواما قبل سقوطها كما حدث في ألأتحاد السوفيتي والأنظمة التي كانت دائرة في فلكه ، ولكن بعد سقوطها أستطاع الأنسان أخذ حريته رغم كل الصعوبات ألأقتصادية التي رافقت ذلك ، أو ما يجري ألآن في تركيا حيث تعمل السلطة السياسية المتمثلة بالحكومة التي وصلت الحكم عبر أنتخابات ديمقراطية ،التخفيف من فرض (علمانية ) المجتمع عبر أجراءات دستورية و ليست أنقلابية .
في جانب أخر معاكس وفي أنظمة دينية شمولية أخرى يفرض تدخل المؤسسة الدينية في شؤون الدولة و مؤسساتها وتلغى قوانين أويجمد العمل بها سبق أن اتخذها ممثلي الشعب ، أن كان هناك أنتخاب ، ويؤخذ من المواطن حقه الديمقراطي كونه مصدر التشريع وليس هيئات لم تنتخب ولا حق لها سوى أدعاء البعض بالحق ألألهي ، تحت مثل هذه ألأنظمة نجد أن اضطهاد الأديان والمذاهب ألأخرى ، يصل لحد التكفير في مثل هذه الدول ويجري التعامل مع المواطنين حسب أنتمائهم الديني والمذهبي بينما في الدولة العصرية (العلمانية ) يتساوى الجميع في طريقة المعاملة ووفقا للقانون .
الدين والدولة العصرية (العلمانية ) الديمقراطية.
قد لا يستغرب القارئ لوجود عدد واسع من التفسيرات لهذا الموضوع ، من جهة تقول أحدى المواقع على ألأنترنيت أن العلمانية مسخ جاء نتيجة نكاح بين الماسونية والصهيونية ، ولم يذكر لنا الموقع من هو الناكح ومن هو المنكوح ، ومن طرف مناقض يعتبر العديد من مناصري العلمانية أنها تعني اللادينية،
فما هو وقع الحال بين النقيضين.
في الدولة العصرية (العلمانية) الديمقراطية لا تتدخل مؤسسات الدولة في القضايا الروحية للأنسان ففي أوربا والولايات المتحدة ألاميركية تنتشر المساجد والحسينيات الى جانب الكنائس والمعابد الهندوسية واليهودية , وجميعا لهم نفس الحقوق أمام القانون، ولم نسمع عن مذابح ذات طابع ديني أو مذهبي.
وعلى العكس من ذلك نشاهد القتل والمجازر تأخذ طابعا دينيا أو مذهبيا كما في العراق و باكستان ، وأستطيع الجزم أن هذا القتل سياسي بالأصل أعطي غطاء ديني أو مذهبي لخدمة تصلت هذه المؤسسة الدينية أو تلك .
أما بالنسبة للملحدين فأن ربطهم للدولة العصرية ( العلمانية ) بالألحاد محاولة لكسب مواقع سياسية الطابع ، لاتعكس حقيقة مفهوم الدولة العصرية (العلمانية ) الديمقراطية ، أن التكامل بين الديمقراطية ،نهج للحياة أسلوبها الحوار بين مختلف المواقف في شؤون الحياة ، و قاعدة الديمقراطية الحرية الفردية والمساواة بين الناس ، والدولة العصرية (العلمانية ) في هذا المناخ توفر للمواطن مهما كان أنتمأوه الديني والذهبي أجواء للأبداع والتطور ، وخدمة للناس ورفاهيتهم وأمنهم

noeeleesa

المساهمات : 490
تاريخ التسجيل : 25/01/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى